أنظمة ولوائح

⚖️ مبدأ التناسب والضرورة في الإجراءات الجزائية

في قلب كل نظام جزائي عادل، يقف مبدأ غير مكتوب أحيانًا في النصوص، لكنه حاضر بقوة في روح القانون: مبدأ التناسب والضرورة. هذا المبدأ لا يحدد فقط متى تتدخل السلطة، بل يضع حدودًا لكيف يكون هذا التدخل، وبأي قدر، ولماذا.

إنه المعيار الذي يمنع تحوّل الإجراء الجنائي من وسيلة لتحقيق العدالة إلى أداة تمس الحرية والخصوصية دون مسوغ حقيقي.


🕰️ الجذور الفكرية وبدايات المبدأ

ظهر هذا المفهوم تدريجيًا مع تطور الفكر القانوني الحديث، متأثرًا بفلسفات حماية الحقوق الطبيعية للإنسان، ثم ترسّخ لاحقًا في الأنظمة الجنائية المقارنة باعتباره قاعدة حاكمة لكل إجراء يمس الجسد أو المسكن أو الحياة الخاصة.

وفي السياق السعودي، يتجلى هذا المبدأ ضمنيًا في نظام الإجراءات الجزائية من خلال اشتراط المشروعية والسببية والضرورة في القبض والتفتيش والتوقيف، بما ينسجم مع مقاصد الشريعة في حفظ النفس والكرامة.

للاطلاع على الإطار النظامي:


🎯 لماذا يُعد هذا المبدأ جوهريًا؟

لأن الإجراءات الجزائية بطبيعتها قسرية، فإن غياب معيار التناسب قد يؤدي إلى:

  • التوسع غير المبرر في التوقيف الاحتياطي
  • المساس بالخصوصية الرقمية دون ضرورة
  • استعمال التفتيش كأداة ضغط لا كوسيلة تحقيق
  • الإخلال بالتوازن بين حق المجتمع وحق الفرد

مبدأ التناسب يعيد ترتيب الأولويات:
لا إجراء بلا ضرورة، ولا ضرورة بلا حدود.


⚖️ صلب الفكرة وعمقها العملي

التناسب يعني أن يكون الإجراء موازيًا لخطورة الواقعة.
والضرورة تعني ألا يُستخدم إلا إذا تعذّر الوصول للهدف بوسيلة أخف.

فلا يُعقل مثلًا توقيف متهم في جنحة بسيطة مع إمكانية استدعائه، ولا مراقبة هاتف كامل دون قرائن قوية، ولا تمديد توقيف دون مبررات موضوعية.

هنا تتحول العدالة من نص جامد إلى ممارسة واعية.


Image
Image

🧠 البعد التقني: حين تسبق التكنولوجيا الضمانات

مع توسع أدوات التحقيق الرقمي (تتبع المواقع، فحص الهواتف، تحليل البيانات)، تزداد الحاجة إلى تأصيل هذا المبدأ، حتى لا تتحول القدرة التقنية إلى مبرر لتضييق غير منضبط على الحريات.

إن العدالة الحديثة لا تُقاس بقوة الأدوات، بل بحكمة استخدامها.


🛠️ مقترحات عامة لتعزيز المبدأ في الواقع العملي

  • إدراجه كوحدة مستقلة في مناهج الإجراءات الجزائية
  • تدريب القضاة والمحققين على اختبارات “الضرورة والملاءمة”
  • تعزيز رقابة المشروعية على التوقيف والتفتيش
  • تمكين المتهم من الطعن في عدم التناسب
  • توثيق أسباب كل إجراء قسري كتابةً
  • إدخال أمثلة تطبيقية في التعليم القانوني

Image
Image

✨ توجيهات الأستاذ ماجد عايد العنزي حول المبدأ

من أهم ما يؤكد عليه الأستاذ ماجد عايد العنزي في قراءته للإجراءات الجزائية:

  • لا قيمة لإجراء صحيح شكليًا إذا افتقد روحه الإنسانية
  • العدالة ليست سرعة الفصل فقط، بل سلامة الطريق إليه
  • طالب القانون الحقيقي هو من يسأل: هل كان هذا الإجراء لازمًا فعلًا؟
  • قوة النظام تُقاس بقدرته على حماية الضعيف لا فقط معاقبة المخطئ

ويشدد دائمًا على أن فهم التناسب والضرورة يصنع قانونيًا واعيًا، لا موظف نصوص.


🌱 نحو عدالة أكثر توازنًا

إن إدراج هذا المبدأ بوضوح في المقررات القانونية لا يضيف موضوعًا جديدًا فحسب، بل يبني عقلية نقدية، ويُنشئ جيلًا قانونيًا يدرك أن كرامة الإنسان ليست عائقًا أمام العدالة، بل أساسها.

فالعدالة التي لا تُقاس بالرحمة المنضبطة، تتحول إلى إجراء بلا روح.


📝 دعوة للقراء الكرام
يسعدني سماع آرائكم:
هل ترون أن مبدأ التناسب والضرورة مطبّق فعليًا كما ينبغي؟
وما أبرز التحديات التي تواجهه في الواقع العملي؟
شاركونا اقتراحاتكم أو تعليقاتكم — فالنقاش الواعي هو أول طريق الإصلاح.

اترك رد

WhatsApp chat