مقالات وقضايا

حين تملأ القطط فراغ البيوت… ظاهرة اجتماعية تستحق الدراسة

بقلم: ماجد بن عايد العنزي

في أحد أركان المنزل، تجلس قطة صغيرة تراقب صاحبها بصمت، تقترب منه حين يعود، وتلتف حول قدميه كأنها ترحب به بعد يوم طويل. يضع لها الطعام، ويتحدث إليها، ويلتقط صورها، وربما يخصص لها جزءًا من وقته وماله ومشاعره. لم يعد هذا المشهد غريبًا في مجتمعنا؛ فقد أصبحت القطط حاضرة في كثير من البيوت، وازدادت العناية بها واقتناؤها والحديث عنها في منصات التواصل الاجتماعي.

لكن انتشار هذه الظاهرة يطرح سؤالًا يتجاوز مجرد حب الحيوانات: لماذا ازداد تعلق بعض أفراد المجتمع بالقطط في السنوات الأخيرة؟ وهل أصبحت القطة في بعض البيوت رفيقًا يعوض نقصًا في التواصل والمشاعر الإنسانية؟

لا ينبغي أن ننظر إلى اقتناء القطط بوصفه أمرًا سلبيًا، ولا أن نصف كل من يحبها بأنه يعاني الوحدة أو الفراغ العاطفي؛ فحب الحيوان سلوك إنساني نبيل، وقد يكون دليلًا على الرحمة والرقة وتحمل المسؤولية. لكن الانتشار اللافت للظاهرة يجعلها جديرة بالدراسة الاجتماعية والنفسية، خصوصًا عندما تتحول علاقة بعض الأشخاص بالحيوان إلى بديل شبه كامل عن العلاقات الأسرية والاجتماعية.

ربما يجد الإنسان في القطة ما لا يجده أحيانًا في محيطه؛ فهي لا تعاتبه، ولا تدخل معه في نزاع، ولا تحاسبه على إخفاقاته، وإنما تمنحه حضورًا هادئًا وشعورًا بالألفة. ومع تسارع الحياة، وكثرة الانشغال، وضعف الزيارات الأسرية، وسيطرة الهواتف على المجالس، قد يجد البعض نفسه محاطًا بالناس، لكنه يفتقد الشعور بالقرب الحقيقي منهم.

إن الوحدة لا تعني دائمًا أن يعيش الإنسان بمفرده، فقد يعيش وسط أسرة كبيرة، ومع ذلك يشعر بأنه غير مسموع أو غير مفهوم. وقد أكدت منظمة الصحة العالمية أن الوحدة والعزلة الاجتماعية أصبحتا من القضايا المؤثرة في الصحة النفسية والجسدية، وترتبطان بزيادة احتمالات الاكتئاب والقلق وتراجع جودة الحياة.

من هنا، قد تصبح القطة لدى بعض الناس أكثر من حيوان أليف؛ تصبح مستقبِلة للأسرار، ورفيقة للصمت، وسببًا للاستيقاظ والاهتمام بشيء حي يحتاج إلى الطعام والرعاية. وقد يمنح الاعتناء بها الإنسان إحساسًا بالمسؤولية والروتين والارتباط، ويخفف عنه بعض مشاعر العزلة.

إلا أن العلم لا يسمح لنا بالقول إن مجرد اقتناء قطة يعالج الاكتئاب، أو إن جميع أصحاب الحيوانات الأليفة يتمتعون بصحة نفسية أفضل. فنتائج الدراسات ما زالت متفاوتة؛ إذ أشارت بعض الأبحاث إلى أن الحيوانات المصاحبة قد تقدم دعمًا نفسيًا وتخفف الوحدة لدى بعض الفئات، بينما لم تجد مراجعات علمية حديثة أثرًا ثابتًا لاقتناء الحيوانات في خفض خطر الاكتئاب لدى جميع الناس. وهذا يعني أن أثر القطة يختلف بحسب شخصية الإنسان، وظروفه، وطبيعة علاقته بالحيوان، ومستوى دعمه الأسري والاجتماعي.

كما يجب التفريق بين اقتناء حيوان أليف وبين العلاج بمساعدة الحيوان؛ فالعلاج ممارسة منظمة يشرف عليها مختصون، وقد وجدت دراسات أنه قد يسهم في تخفيف بعض أعراض الاكتئاب والقلق لدى فئات معينة، لكنه يظل عاملًا مساعدًا، ولا يحل محل الطبيب أو الأخصائي النفسي والعلاج المعتمد.

وللقطط مكانة ضاربة في عمق التاريخ. ففي الحضارة المصرية القديمة حظيت بمكانة دينية ورمزية، وارتبطت بالحماية والخصوبة، وعُثر على تماثيل ومومياوات كثيرة للقطط قُدمت في المعابد المرتبطة بالإلهة «باستت». وهذا يكشف أن انجذاب الإنسان إلى القطط ليس ظاهرة حديثة، بل علاقة قديمة امتزج فيها الانتفاع بها لحماية الحبوب من القوارض مع الإعجاب بهدوئها ورشاقتها وغموض سلوكها.

أما في الإسلام، فلم تُمنح القطط قداسة دينية، لكنها حظيت بالرفق والرعاية، وجاءت النصوص مؤكدة حرمة تعذيب الحيوان ووجوب الإحسان إليه. ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن الهرة: «إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات»، في إشارة إلى كثرة مخالطتها للناس ودخولها البيوت.

وفي المقابل، جاء التحذير شديدًا من حبس الحيوان وإهماله، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن امرأة عُذبت بسبب قطة حبستها، فلم تطعمها ولم تسقها، ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض. وهذا الحديث لا يدعو إلى اقتناء القطط فقط، وإنما يؤسس لمعنى أعمق: من اختار أن يقتني حيوانًا فقد أصبح مسؤولًا أمام الله عن طعامه وسلامته وصحته وعدم إيذائه أو التخلي عنه.

ومن هنا تظهر الحاجة إلى دراسات محلية جادة ترصد أسباب انتشار اقتناء القطط في مجتمعنا: هل يرتبط الأمر بالوحدة؟ أم بتأخر الزواج؟ أم بتقلص حجم الأسرة؟ أم بتأثير منصات التواصل والمشاهير؟ وهل يسهم وجود القطة فعلًا في تحسين المزاج، أم يتحول أحيانًا إلى تعلق مفرط أو أعباء مالية وصحية؟ وما مدى معرفة المربين بالتطعيمات والنظافة والعلاج البيطري وحقوق الحيوان؟

كما يمكن للجامعات والمراكز النفسية والصحية أن تدرس إمكانية الاستفادة المنضبطة من الحيوانات الأليفة ضمن برامج الدعم النفسي والاجتماعي، ولا سيما لكبار السن، وبعض المرضى، والأشخاص الذين يعانون العزلة، على أن يكون ذلك تحت إشراف متخصصين، وبما يراعي سلامة الإنسان وراحة الحيوان معًا.

إن القطة لا تستطيع أن تحل محل الأسرة، ولا أن تعوض الإنسان بصورة كاملة عن الصديق والزوج والابن والمجتمع، لكنها قد تمنحه قدرًا من الألفة والحنان، وتوقظ داخله مشاعر الرحمة والمسؤولية. وربما لا تكمن القضية في كثرة القطط داخل البيوت، بل في السؤال الأهم: ما الذي جعل بعض الناس يجدون لدى الحيوان من الأنس والاهتمام ما لم يجدوه أحيانًا لدى الإنسان؟

ذلك سؤال اجتماعي كبير، لا يستحق السخرية أو الإدانة، وإنما يحتاج إلى دراسة وتأمل؛ فخلف كل إنسان شديد التعلق بحيوانه قصة قد لا يراها الآخرون، وخلف كل قطة تدخل بيتًا حاجة متبادلة إلى الأمان والرعاية والرحمة.

اترك رد

WhatsApp chat